أحمد بن محمد القسطلاني
160
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
قرب دجاجة ) بتثليث الدال والفتح هو الفصيح ( ومن راح في الساعة الخامسة ، فكأنما قرب بيضة ) . استشكل التعبير : بالدجاجة والبيضة بقوله ، في رواية الزهري : كالذي يهدي ، لأن الهدي لا يكون منهما . وأجيب : بأنه من باب المشاكلة ، أي من تسمية الشيء ، باسم قرينه ، والمراد بالهدي هنا التصدق ، كما دلّ عليه لفظ : قرب وهو يجوز بهما . والمراد بالساعات عند الجمهور من أوّل النهار ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، وابن حبيب من المالكية ، وليس المراد من الساعات الفلكية الأربعة والعشرين التي قسم عليها الليل والنهار ، بل ترتيب درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة ، لئلا يستوي فيه رجلان جاءا في طرفي ساعة ، ولأنه لو أريد ذلك لاختلف الأمر في اليوم الشاتي والصائف . وقال في شرح المهذّب ، وشرح مسلم : بل المراد الفلكية ، لكن بدنة الأوّل أكمل من بدنة الأخير ، وبدنة المتوسط متوسطة ، فمراتبهم متفاوتة ، وإن اشتركوا في البدنة مثلاً ، كما في درجات صلاة الجماعة الكثيرة والقليلة ، وحينئذٍ فمراده بساعات النهار الفلكية اثنتا عشرة زمانية صيفًا أو شتاءً . وقد روى النسائي مرفوعًا : يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة . وقال الماوردي : إنه من طلوع الشمس موافقة لأهل الميقات ، ليكون ما قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب . واستشكل بأن الساعات ست لا خمس ، والجمعة لا تصح في السادسة بل في السابعة . نعم ، عند النسائي بإسناد صحيح بعد الكبش : بطة ، ثم دجاجة ثم بيضة . وفي أخرى : دجاجة ثم عصفورًا ، ثم بيضة . ومعلوم أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخرج إلى الجمعة متصلاً بالزوال ، وهو بعد انقضاء الساعة السادسة . وفي حديث واثلة عند الطبراني في الكبير مرفوعًا : " إن الله تعالى يبعث الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون القوم : الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس ، فإذا بلغوا السابع كانوا بمنزلة من قرب العصافير " . وقال مالك ، رحمه الله ، وإمام الحرمين ، والقاضي حسين : إنها لحظات لطيفة بعد الزوال ، لأن الرواح لغة لا يكون إلا من الزوال ، والساعة في اللغة الجزء من الزمان ، وحملها على الزمانية التي يقسم النهار فيها إلى اثني عشر جزءًا يبعد إحالة الشرع عليه لاحتياجه إلى حساب ومراجعة آلات تدل عليه ، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال : إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول ، فالمتهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ، الحديث . فإن قالوا : قد تستعمل الهاجرة في غير موضعها فيجب الحمل عليه جمعًا . قلنا : ليس إخراجها عن ظاهرها بأولى من إخراج الساعة الأولى عن ظاهرها ، فإذا تساويا على ما زعمت فما أرجح ؟ قلت : عمل الناس جيلاً بعد جيل ، لم يعرف أن أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم كان يأتي المسجد لصلاة الجمعة عند طلوع الشمس ، ولا يمكن حمل حالهم على ترك هذه الفضيلة العظيمة . اه - . وأجيب : بأن الرواح ، كما قاله الأزهري ، يطلق لغة على الذهاب ، سواء كان أول النهار أو آخره أو الليل ، وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث ، والمعنى : فدلّ على أنه لا فضيلة لمن أتى بعد الزوال ، لأن التخلّف بعد النداء حرام ، ولأن ذكر الساعات إنما هو للحثّ على التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق ، وتحصيل الصف الأول ، وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه ، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال . وحكى الصيدلاني : أنه من ارتفاع النهار وهو وقت الهجير . ( فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة ) الذين وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة ، وما تشتمل عليه من ذكر وغيره ، وهم غير الحفظة ( يستمعون الذكر ) أي الخطبة . وزاد في رواية الزهري الآتية طووا صحفهم . ولمسلم من طريقه : فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر . فكان ابتداؤه خروج الإمام ، وانتهاؤه بجلوسه على المنبر وهو أول سماعهم للذكر . وفي حديث ابن عمر عند أبي نعيم في الحلية مرفوعًا " إذا كان يوم اجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور " ، الحديث . ففيه صفة الصحف ، وأن الملائكة المذكورين غير الحفظة . والمراد بطيّ الصحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة دون